خلال الجلسة الثالثة والأخيرة التي شهدها اليوم الأول من أعمال منتدى الجزيرة الحادي عشر، الذي يناقش في نسخته الحادية عشرة "أزمة الدولة ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط"، بالعاصمة القطرية، الدوحة، في 16-17 أبريل/نيسان 2017، تناول المؤتمرون عددًا من القضايا المتعلقة بالعرب والقوى الإقليمية الصاعدة وإمكانيات الصراع بينها؛ حيث ذكر بعض المتحدثين أن من العوامل الأساسية التى تحول دون تشكل قوى صاعدة في المنطقة العربية هو الاستبداد وما خلفه من مظاهر ضعف الدولة المدنية وغياب الحريات العامة، وتأزيم الوضع الاقتصادي؛ حيث تركز بعض الدول العربية على الإنفاق على العتاد العسكري؛ وقد تسبَّب هذا الخلل في غياب المشاريع التنموية والاجتماعية التى تنهض بالمجتمعات العربية وتصنع منها قوى قادرة على المساهمة في عملية البناء. وعلى الرغم من أن النفط شكَّل مجالًا تنافسيًّا قويًّا للعرب إلا أن الاعتماد على النفط مصدرًا للتنمية قد سبَّب الكثير من المشاكل لهذه الدول بعد انهيار الأسعار العالمية؛ وهنا تبدو الضرورة ملحَّة لدى العرب لصناعة اقتصاد مستقر بأفق جديد وقوة تنافسية جديدة تجعل من هذه الدول قوى صاعدة ولو على المستوى الإقليمي.  

 

وتحدث بعض المشاركين عن الاختلالات البنيوية التي تعرفها الدولة القُطرية وتشكِّل تحديًّا حقيقيًّا، بينما اعتبر البعض أن السياسات الدولية والإقليمية التى تنتهجها بعض الدول تؤدي إلى كبح أي مشروع إصلاحي تنموي في الوطن العربي، وهناك من رأى أن المبالغة في التأصيل لنظرية المؤامرة وإرجاع فشل العرب إلى المؤامرات الخارجية يعتبر نوعًا من الهروب من المشاكل الهيكلية التى يعاني منها العرب لذلك يجب التركيز على معالجة المشاكل البنيوية التى أدت إلى أزمة الدولة الوطنية. 

 

وقد أجمع المشاركون في الجلسة الحوارية، المفكر والكاتب الصحفي فهمي هويدي، وخالد الدخيل، أستاذ علوم الاجتماع السياسي بجامعة الملك سعود سابقًا، ولوزيرة آيت حمادوش،  أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الجزائر، والدرديري محمد أحمد، أستاذ القانون بجامعة الخرطوم، وغالب دالاي، مدير البحوث بمنتدى الشرق في إسطنبول، على ضرورة الإصلاح السياسي عبر استئصال الاستبداد من جذوره، إصافة إلى إصلاح اجتماعى يؤسِّس لدولة مدنية ديمقراطية قادرة على مواجهة التحديات الدولية والإقليمية، وقادرة على بناء نفسها بنفسها وتحقيق نهضة ذاتية عميقة الجذور.  

 

هويدي: المنطقة العربية تعيش حالة تفسخ الأوطان

وتحدث المفكر والكاتب الصحفي، فهمي هويدي، المتخصص في شؤون العالم العربي والإسلامي، عن حالة التشرذم والتفكك التي فقدت على إثرها الدولة العربية البوصلة ولم تعد قادرة على تحديد أعدائها أو أصدقائها. وأضاف: إن الأقباط والمسلمين كانوا يعيشون بسلام، وكذلك الطوائف في لبنان وسوريا "لكن اليوم تحولنا بسب هذا التشرذم والانقسام من حالة التطلع لأشواق الأمة  إلى حالة تفسخ الأوطان، بل إن مفهوم الدولة تراجع؛ لذلك فالحديث عن حتمية المواجهة مع القوى الإقليمية لم يعد مطروحًا أمام الدول العربية؛ لأن إسرائيل لم تعد هي العدو. وأشار هويدي إلى وجود إشكال كبير في مفهوم الدولة في الوطن العربي؛ إذ لم تعد الأمة العربية موجودة بذلك المفهوم؛ لذا فلا شيء يجمعها اليوم. وبسبب الفراغ الذي حدث للدول العربية أصبحت هناك فرصة للقوى العالمية والإقليمية كي تتمدد في المنطقة، "ونحن اليوم نلوم الآخرين ونتهمهم بالتآمر علينا".

 

وأوضح هويدي أن الدول فقدت مقوماتها ولم تعد قادرة على مواجهة الواقع؛ حيث تمدد الآخرون في الفراغ العربي، "لكن أتمني أن لا يتسبب هذا الفراغ في انهيار مفهوم الأمة؛ فالشعوب العربية قادرة على التغيير، لكن المشكلة مشكلة حكام؛ حيث أسهمت الأنظمة العربية في تجذير الشرخ".  

 

الدخيل: إيران تستغل تشرذم الدول العربية لتحقيق أهدافها التوسعية

أوضح خالد الدخيل، أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة الملك سعود سابقًا، أن المنطقة العربية تعاني من تدخل قوى إقليمية ممثَّلة في إيران التي تستغل وضعية الضعف والتشرذم التى تعيشها الدول العربية لتحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة، وقال: إن إيران تحاول تصدير مشاكلها الداخلية والتغطية عليها من خلال تدخلاتها وتأجيج الصراع الطائفي في بعض الدول العربية. وأضاف الدخيل: إن إيران تحاول جاهدة زعزعة أمن الدول العربية وإثارة البلبلة وخلق مشاكل داخل نسيجها ليتسنى لها تحقيق أهدافها التوسعية.  

 

آيت حمادوش: الهاجس الأمني يمنع المشاريع الاستراتيجية بالمنطقة


استهلَّت لويزة آيت حمادوش، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الجزائر، مداخلتها بالتساؤل: هل توجد دول عربية يمكن أن تُعرف بدول صاعدة؟ وأوضحت أن هناك متغيرين أساسيين للتعرف على الدول الصاعدة، أولهما: الوضع الاقتصادي الذي يشمل تحقيق الأهداف الاقتصادية من خلال محاربة الفقر والبطالة وتحسين مؤشرات النمو وغيرها، بينما يتعلق المتغير الثاني بثقل الدولة الاقتصادي؛ وهو عبارة عن الوزن الاقتصادي للدول وتأثيره على السوق العالمية، وأضافت: إن الدول العربية كانت قادرة على التأثير بالنفط نتيجة سيطرتها على أسواق النفط العالمية إلا أن هذه الدول لم تعد تسيطر على السوق النفطية نتيجة تغير موازين القوى. 

 

وذكرت المتحدثة أن ما يمنع الدول العربية من تأسيس مشاريع عملاقة ذات بُعد استراتيجي هو توظيف البُعد الأمني بطريقة غير موفقة، وغياب خطط لمجابهة نفوذ بعض القوى الإقليمية والدولية، وأشارت إلى تجارب بعض الدول التي استطاعت تحقيق مشاريع ذات بُعد استراتيجي، مثل الدول الآسيوية التي تمتلك تجربة رائدة في هذا المجال؛ حيث ركزت على البُعد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي على حساب البُعد الأمني وبالتالي حققت مزيدًا من التقدم. 

 

دالاي: التغيير في تركيا إرادة شعبية تدعمه إرادة سياسية


وفي سياق قراءته للدور التركي ضمن الأزمات التي تعصف بالمنطقة العربية، أوضح غالب دالاي، مدير البحوث في منتدى الشرق، أن تركيا استطاعت أن تحدد بطريقة منهجية  ما ترغب في إنجازه وما تتوقع حصوله؛ لذلك كانت التغيير في تركيا يوائم بين ما هو متاح وما هو متوقع. وأضاف دالاي: إن التغيير في تركيا كان إرادة شعبية قوية تدعمها إرادة سياسية من القوى المدنية لذلك استطاعت البلاد التخفيف من آثار هذا التحول والخروج بأقل الأضرار.

 

الدرديري: الدولة بالمنطقة العربية فقدت شرعية وجودها


أوضح الدرديري محمد أحمد، أستاذ القانون بجامعة الخرطوم، أن السبب الأساسي الذي جعل الغرب يفعل بالعرب ما يشاء هو العرب أنفسهم، معتبرًا أن الإشكالية الحقيقية التى تعاني منها الدولة العربية الحديثة هي فقدانها لشرعية وجودها، ويعود ذلك إلى السياقات التى اكتنفت نشأتها. ولكي تتصالح الدول العربية مع ذاتها، يضيف الدرديري، وتتخطى هذه العقبة الكأداء يجب أن تحقق مشروعيتها أولًا، وتعترف بالتكافؤ التام بين الطوائف والقوميات، "وهنا نشير إلى أن القانون الدولي يحترم الأفراد لكننا نحتاج إلى قانون يحترم الطوائف والقوميات، وهذا التكافؤ التام هو الحل لمشكلة الدولة العربية الحديثة".