انطلقت فعاليات اليوم الثاني لأشغال منتدى الجزيرة الحادي عشر، الذي يناقش في دورته الحادية عشرة "أزمة الدولة ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط"، بالعاصمة القطرية الدوحة، 16-17 أبريل/نيسان 2017، بعقد جلسة حوارية نظَّمها مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان تتناول "حقوق الإنسان في مراحل الانتقال السياسي"، من خلال المحاور التالية: قضايا وتحديات الالتزام بالحقوق والحريات وسيادة حكم القانون في أجندة التغيير، والمصالحة الوطنية في مراحل الانتقال، والمجتمع الدولي بين إرادة منع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحقيق مصالحة مع عودة الاستبداد، وقدرة المجتمع المدني الحقوقي الدولي والمحلي على تجاوز صراع الأيديولوجيات في الدفاع عن ضحايا الانتهاكات وذويهم، ومبررات اللامبالاة باحترام حقوق الإنسان في السياسة العربية. وشارك في مناقشة هذه المحاور: رفيق هوديتش، مدير الاتصال بالمركز الدولي للعدالة الانتقالية في نيويورك، وأحمد بن شمسي، مسؤول الإعلام بقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هيومن رايتس ووتش، والكاتب الصحفي، عبد الوهاب بدر خان، ومحمد جميل منصور، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية في موريتانيا، وغانم النجار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت. وتناول المتدخلون تجارب حقوق الإنسان في بعض الدول مثل البوسنة وجنوب إفريقيا والمغرب، وركَّز المتدخلون على ضرورة تحرير المفاهيم الخاصة بحقوق الإنسان وخلق نوع من التمييز بين ما هو سياسي وما هو حقوقي.

 

النجار: بناء الدولة يحتاج لتحقيق العدل


رأى الدكتور غانم النجار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، أن الحديث عن العدالة الانتقالية يقتضي بالضرورة الحديث عن التغيير الذي هو سُنَّة كونية لا مناص منها، مشيرًا إلى الوضع المأساوي الذي تعيشه الدول العربية اليوم؛ حيث لا يمكن  بناء دولة بدون تحقيق العدل. وذكر أن عدد اللاجئين في العالم وصل 65 مليون لاجئ، إضافة إلى تدهور التعليم ؛ حيث يوجد في 5 بلدان عربية 13 مليون طفل خارج المدارس. ورأى النجار أن العدالة الانتقالية مصطلح جديد ظهر بعد الحرب الباردة مع انتقال الأنظمة من النظام الشمولي إلى الديمقراطي، ولاحظ أن الدول تتفاوت في احترام حقوق الإنسان ومحاسبة القائمين على المآسي الإنسانية.

وأكد النجار أن العدالة الانتقالية أصبحت عِلمًا قائمًا بذاته، ويمكن للخبراء والباحثين في الوطن العربي أن يحققوا المزيد من الإسهامات في تنوير الشعوب بهذا المفهوم. وأضاف: "بعد سقوط النظام العراقي طلبت منَّا الأمم المتحدة وضع خطة لكيفية التعامل مع النظام السابق وكانت العقبات التي واجهتنا كبيرة؛ حيث إن محاكمة نظام سابق بدون وجود ضمانات (خبراء دوليين ولجان مختصة) يعتبر عملًا مخلًّا بحقوق الإنسان، يجب أن يكون الهدف هو كرامة الإنسان، كيف نخلق مؤسسات للشكوى، كيف ننشر العدالة".

كما أكد النجار ضرورة تصحيح بعض المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان ومنها الخطأ الشائع بين الناس وهو أن حقوق الإنسان مبادئ غربية، بينما حقوق الإنسان ليست مبادئ غربية ولا صناعة غربية بل هي ثمرة الشعوب المنتفضة والمكتوية بنار الاستبداد والظلم، ومن أوليات الدول التي نادت بميثاق حقوق الإنسان دول أميركا اللاتينية، مثل: كوبا، وتشيلي، وبنما، معتبرًا أن الاستخدام السياسي لحقوق الإنسان هو ما يشوِّه هذا المفهوم".

 

هوديتش: تعاملنا مع العدالة الانتقالية يحدِّد المجتمع الذي نُؤَسِّسه


اعتبر رفيق هوديتش، مدير الاتصال بالمركز الدولي للعدالة الانتقالية في نيويورك، أن المحاسبة والمساءلة هي الحل النموذج للتعامل مع المتورطين في جرائم حقوق الإنسان لكن هذه المحاسبة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حجم الجرائم والظروف التي تمت فيها والدمار الذي خلَّفته، وأكد أن هناك الكثير من المفاهيم لحقوق الإنسان والعدالة وكل مفهوم ينطلق من سياقه الخاص؛ فمعالجة الأزمة الحقوقية في جنوب إفريقيا تختلف عن معالجتها في البوسنة أو المغرب، "وحسب تجربتنا في البوسنة يجب على المجتمع محاولة التغلب على المراحل الصعبة التي مرَّ ويمر بها ومحاولة إصلاح هذا الموروث وفق ما اتفق عليه الجميع. فقد واجه المجتمع البوسني تحديات كبيرة بسبب ضخامة الجرائم التي ارتُكبت ضد الأبرياء؛ لذلك يجب أن تُدرس القضية بناء على هذا السياق وهذا يحدد أي مجتمع سنكون". وبالنسبة للدول العربية، أشار هوديتش إلى أن "هناك من يعتقد أن فكرة حقوق الإنسان غربية لتدمير مجتمعاتنا" وهذا موقف خاطئ؛ فالعدالة يجب أن تكون لأي شخص وأي مجتمع ويجب العمل على تأصيل ذلك حتى تصبح ثقافة. وفي ختام مداخلته، أكد هوديتش أن الثقات في المجتمع هم من يستطيعون القيام بالمصالحة.

 

بدر خان: المجتمعات العربية تعاني من غياب ثقافة الحوار

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي، عبد الوهاب بدر خان، أن تدهور المراحل الانتقالية في الكثير من دول الربيع العربي كان بسبب غياب ثقافة الحوار. في المقابل، استطاعت تونس أن تنقذ ثورتها من خلال الحوار، مؤكدًا أن الأزمة في الوطن العربي هي أزمة "غياب ثقافة الحوار"، وقد حاولت بعض الدول التي شهدت حراك الربيع العربي تفعيل مفهوم العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، إلا أن المحاكمات الصورية وتردي المنظومة القانونية وضعف ثقافة حقوق الإنسان في النظام القضائي حالت دون تحقيق أي تقدم في هذا المجال. 

وأضاف بدرخان: "كنا متلهفين لنجاح هذه الثورات وتحقيق العدالة الاجتماعية والانتقال الديمقراطي، إلا أن مخالب الاستبداد نهشت في ثورات الشعوب مرة أخرى. إن طول فترة الاستبداد صنع جيلًا مختلًّا وغير متصالح مع نفسه، جيلًا فاقدًا للتوازن... ورغم المحن التي عشناها لا نرى تعلمًا سريعًا من الأحداث، فلا الليبيون استفادوا من محنة سوريا واستطاعوا تجنُّب الدمار ولا اليمن استفاد من ليبيا، الآن الكل يقول: الحل سياسي، لكن على الأرض تجري معركة تكسير العظام". 

وأشار بدرخان إلى أن الفترة الطويلة للاستبداد في المنطقة العربية أفرزت رصيدًا ضخمًا من الاحتقان والغضب في المجتمع العربي، لكن لا يوجد هناك نفس الرصيد لبناء المجتمع وتطويره وتثقيفه وتوعيته، وأضاف: "مجتمعاتنا لا تعبأ بالدم ولا بالإنسان، وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر"، وختم مداخلته بالقول: إن الإرهاب زاد من حدة الأزمة وتعقيدها.

 

ابن شمسي: الإفلات من العقاب يعمِّق الشرخ بين الدولة والمجتمع

قدَّم مسؤول الإعلام بقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، مقاربتين حول العدالة الانتقالية: أولاهما: المقاربة السياسية التي تعتبر أن الوطن فوق الأفراد؛ حيث تقتضي المصلحة العامة أن يفلت البعض من العقاب، وتنبني على توافق سياسي. أما المقاربة الحقوقية المبنية على المحاكمة فتعتبر أن كل جريمة تستحق العقوبة وأن كل ضرر يستحق الجبر.

وأشار ابن شمسي إلى النموذج المغربي؛ حيث إن المقاربة مبنية على المصالحة، ورغم أهمية هذه المقاربة فإن ثقافة الإفلات من العقاب لا تزال سارية وتمثِّل إحدى سلبيات المقاربة؛ فقد استمر التعذيب في المغرب نتيجة إفلات الجلادين من العقاب؛ لذلك فإن انتشار ثقافة عدم المحاسبة والمساءلة يعمِّق هذا الشرخ. وأضاف: إن الحقوق ومصلحة الوطن تلعب دورًا مهمًّا في اختيار المقاربة التي تهدف لعلاج موضوع حقوق الإنسان، لكن يظل مفهوم المصلحة نسببيًّا: من يحدد المصلحة ومن المفوَّض بتحديد هذا المفهوم؟ فهناك مفهوم مخالف للمصلحة، وهو مفهوم الحق، وهو الذي تتبناه المنظمات الحقوقية. وأوضح ابن شمسي أن ما يجب أن نعرفه في هذا الإطار هو أن استمرارية الوطن ليست مقترنة باستمرارية حاكم معين أو نظام سياسي معين. وبخصوص الإرهاب وما فرضه من قوانين جديدة، قال: إن الإرهاب لا يبرر تقييد بعض الحقوق.

 

ولد منصور: مراعاة حقوق الإنسان ترسم مستقبل الدولة


ركزت مداخلة محمد جميل ولد منصور، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية في موريتانيا، على ضرورة القيام بمراجعات للربيع العربي للاستفادة من بعض الأخطاء التي طالته، وأكد أن من تنبأوا بموجات من الربيع العربي صادقون في توقعاتهم لكن يجب أن تأخذ هذه الثورات بالاعتبار المسارات التى تُجنِّبُها الوقوع في فخ الفوضى الذي أدى إلى انهيار دول أخرى، مشيرًا إلى أهمية حقوق الإنسان في حالة الانتقال السياسي والتي اعتبرها أساسية ومهمة لرسم مستقبل آمن؛ حيث إن انتقال القوة أو السلطة من طرف منتصر إلى طرف مهزوم له تداعيات وظروف استثنائية، "وتكون حقوق الإنسان هنا ضرورية أكثر من أي وقت مضى نتيجة الخوف من الانتقام، وأضاف ولد منصور: إن الطائفية والعِرقية خلقت مناخًا متشنجًا في البلدان العربية، لافتًا إلى أن هناك دولًا خارجية تعيش في تناقض شديد؛ فهي بحُجَّة موضوع الأقليات تعطي حقوقًا لهذه الأقليات لكنها في المقابل لا تتحدث عن أكثريات تتعرض للكثير من الانتهاك والاضطهاد، وهناك من يعتبر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ممثلًِّا لأهل السنَّة لذلك يسكت على قتل الأغلبية السنِّية؛ فهذه الازدواجية في حقوق الإنسان أمر سلبي وتشكِّل عائقًا حقيقيًّا أمام تحقيق التوازن، فيجب أن تكون قضية حقوق الإنسان قضية عامة وخارج إطار النزاعات.