استُهلت أولى جلسات منتدى الجزيرة، الذي يناقش في دورته الحادية عشرة "أزمة الدولة ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط"، بالعاصمة القطرية، الدوحة، في 16-17 أبريل/نيسان 2017، بمقاربة السياقات التاريخية لنشأة الدولة العربية وأثرها على الأزمات المركَّبة التي تعيشها اليوم، ودور الاستعمار وخرائط سايكس-بيكو في هشاشة دولة الاستقلال وفشلها التنموي على اختلاف النماذج التي اتبعتها، وأسباب الفشل الديمقراطي في المنطقة العربية وأثره على وحدة الدولة وانسجام المجتمع واستقرار المنطقة. كما تناولت غياب العدالة وفشل الإدماج الاجتماعي ودورهما في تفجر الصراعات وبروز نزعات التطرف والعنف والتمرد على الدولة، والكلفة السياسية والاقتصادية لحالة الانقسام العربي وفشل مشاريع الوحدة وتعثر مبادرات التكامل الإقليمي. وشارك في الجلسة يوسف الشويري، أستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا، والصادق المهدي، رئيس وزراء السودان الأسبق وزعيم حزب الأمة، ومحمد جبرون، أستاذ التاريخ والباحث في مركز التربية والتكوين في المغرب، ومحمد محسوب، وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق في مصر.

 

الشويري: الدولة العربية والإرث القرطاجي

انطلق أستاذ التاريخ، يوسف الشويري، في تحليله لأزمة الدولة العربية من المقارنة التاريخية بين الإرث القرطاجي بدولة تونس، وصراعها التاريخي مع روما، والدولة العربية؛ الأمر الذي يكشف أن تدمير الدول ليس محض صدفة وإنما هناك قانون يحكم قيام وانهيار الدولة العربية؛ فعلى سبيل المثال، الدولة في مصر منذ عهد محمد علي باشا (1820–1840) لم تخرج من كبوتها إلا في العام 1852، كما فشلت الحركة المهدية بالسودان في إنشاء دولة بعد أن تآمرت عليها بريطانيا، وبذلك أصبح تدمير الدولة عبر قانون وأجندة تستهدفها بغضِّ النظر عن أيديولوجيتها سواء كانت إسلامية أو ليبرالية جمهورية أو ملكية. واعتبر أن الدولة العربية صارت عالة على نفسها وكذلك الآخرين لعدم اتساقها وغرابة تشكيلها وتركيبها، موضحًا أن ما جرى خلال الربيع العربي لم تستفد منه حالة الدولة العربية في التنسيق بين الحركات الثورية في كل منها، وهو ما اعتبره دليلًا ماديًّا على تردي الدولة العربية التي تهيم على وجهها خارج الزمن.

 

الربيع العربي مأساة فضحت الدولة العربية 

أوضح الشويري أن الدولة العربية فقدت هويتها واتجاهها وأن الربيع العربي تحول إلى مأساة؛ فاضحًا ضعف الدولة العربية والشارع العربي، مؤكدًا أن هذه المأساة تندرج أيضًا في سياق الإرث القرطاجي مما يعنى تدميرها لنفسها. وختم حديثه متسائلًا: "إلى متى سيكون القَدَر العربي مرتَهَنًا إلى الإرث القرطاجي ما لم نصنع قضايا نهضوية؟". 

 

الصادق: الشراكة ضمان لمستقبل حكم الدولة العربية

اعتبر الصادق المهدي، رئيس الوزراء السوداني الأسبق وزعيم حزب الأمة، أن الدولة الوطنية في المنطقة مأزومة وتتجلَّى مظاهر هذا التأزم في الصراع بين قوميين ينادون بالوحدة العربية وإسلاميين ينادون بالخلافة، واعتمادها على الحركات التي تتطلع للرجوع إلى الوراء بدلًا من القفز للأمام. ورأى أن الدولة العربية المعاصرة تسخِّر القدرات المسلحة لخدمة السلطة بعيدًا عن الاهتمام بمنظومة حقوق الإنسان، نافيًا أن يتحقق أي مستقبل لحكم الدولة العربية ما لم يتم ذلك في ظل الشراكة والسيادة والقانون مع ضرورة توفير الأمن والاستقرار والسلام، موضحًا أن نظام الحكم هو اجتهاد بشري وأن المقصود بالدِّين في مفهومه الحديث هو النظام، وأكد أن الحكم في الدولة العربية المعاصرة يقوم على التوريث أو الجمهورية الانقلابية وهو ما سبَّب خللًا بنيويًّا كبيرًا في الدولة العربية الحديثة وأورثها الاستبداد والضعف وغياب العدالة الاجتماعية. وفيما يتعلق بالربيع العربي، نبَّه الصادق المهدي إلى أن الثورات مهما تأخرت نتائجها فإنها لا محالة ستُثمر. كما شدَّد على ضرورة إنهاء الفتنة الطائفية من خلال ميثاق يُؤصِّل لوحدة القِبلة ويرفض التكفير.

 

ضوابط الدولة الوطنية

أوضح المهدي أن الربيع العربي لكي يؤتي ثماره ينبغي حدوث صحوة فكرية مع استصحاب الأساليب والمعارك الحديثة والتكنولوجيا، وطالب بضرورة إنهاء الفتنة الطائفية والاعتراف المتبادل بالأطراف المتصارعة، وفك الاشتباكات الفكرية والتخلص من المفاهيم العدوانية والرجوع إلى حوار الحضارات فلا إكراه في الدين مع ضرورة السعي لإصلاح النظام الدولي.

 

مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط 

أكد زعيم حزب الأمة على ضرورة مراجعة دور الجامعة العربية مع إعادة فتح أبواب الحوار مع الآخر فهو أنجح الوسائل، مشدِّدًا على وجوب إقامة علاقات استراتيجية للدولة العربية مع الدول الثلاث المهمة، وهي: تركيا وإيران وإسرائيل، حتى تتعافى من أزمتها الراهنة مع إبرام اتفاقية أمنية ثلاثية بينها، إضافة إلى علاقات مع دول إفريقيا. 

 
جبرون: الخروج من أزمة الدولة يحتاج لإقرار المسؤولية والمحاسبة

أشار محمد جبرون، أستاذ التاريخ والباحث في مركز التربية والتكوين في المغرب، إلى أن دولة ما بعد الاستقلال تكوَّنت في أربعينات وخمسينات القرن التاسع عشر، والتي جاءت ولادتها قيصرية متعسرة ما أدى إلى غياب الانسجام والتناغم فكانت تتميز بالشمولية وليست لها القدرة على الانفتاح الديمقراطى. وللخروج من الأزمة الراهنة لابد من الاعتراف بالشعوب وإقرار مبدأ المسؤولية والمحاسبة، وعدَّد مظاهر الأزمة التي تواجهها الدولة العربية ممثلة في: 

  • أزمة الثروة.
  • أزمة الشرعية البنيوية؛ إذ لم تنجح الدولة العربية في بناء بنية قانونية. 
  • الشرعية الديمقراطية؛ حيث تواجه الدولة أزمة تواصل حقيقي مع الشعب.
  • أزمة الاستقلال؛ حيث إن الدولة العربية لم تنشأ مستقلة عن الإرادة الأجنبية.  

وللوصول إلى فهم أزمة الدولة الراهنة لابد من النضج والنمو لمواطن حديث بعيدًا عن مواطن الأربعينات والخمسينات، خصوصًا في ظل مواجهة تيارات متعددة، إسلامية وعلمانية وشيوعية وأيديولوجيات مختلفة، كما أشار إلى ضرورة الاعتراف بالشعوب وإقرار مبدأ المسؤولية، معتبرًا أن الدولة العربية مكسب استراتيجي ويجب عدم السعي لإسقاطها بل العمل على استعادة الهدوء والسكينة والتنازل الذي اعتبره ليس هزيمة بل هو مكسب.   

 

محسوب: الربيع العربي محاولة لتجديد شباب الدولة  

تحدث الدكتور محمد محسوب، وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق في مصر، عن علاقة الربيع العربي بالدولة واعتبره تجديدًا لشباب الدولة من أجل إعادتها للطريق السليم خصوصًا أنها وُلدت ولادة قيصرية متعسرة. وذكر أن أسباب أزمة الدولة العربية هو تقسيم حدودها بشكل غير منطقي يتناقض مع الجغرافيا، موضحًا أن تفسير فشل الدولة القُطرية بنظرية المؤامرة ليس سوى فكر محدود وقاصر باعتبار أن الدولة العربية تمتلك القدرة على الخروج من نفق المؤامرات بما لديها من قدرات وثروات تسهم في بناء نظام اقتصادي يمكِّنها من حل مشكلاتها.

وأوضح محسوب أن الجامعة العربية وصلت إلى نهايتها ولم يعد لديها ما تقدمه للدولة ولا الشعوب حيث إنها مؤسسة نشأت تحت مظلة الاستعمار وحتى الآن لم تستطع أن تقدم الكثير، وأكد أن الربيع العربي جاء لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسلطات لأجل إرساء قواعد العدل والتنمية، معتبرًا إياه وصفة لايجاد مفهوم حديث للدولة يعتمد على المواطنة والشراكة.